​هل الألم أحد أعراض التصلب العصبي المتعدد؟

لم يكن يُنظر للألم سابقًا على أنه أحد أعراض التصلب العصبي المتعدد. فعلى الرغم من أن أخصائي​ الأعصاب أدرجوا الخدَر والتَنميل والحكّة والعديد من الأعراض الحِسيّة الأخرى ضمن المجال الواسع لأعراض التصلب العصبي المتعدد إلا أنهم غالبًا ما كانوا يستبعدون الألم عن هذا التّصنيف.

وقد أدرك الأطباء خلال السنوات العديدة الماضية أن الألم لا يشكّل أحد أعراض التصلب العصبي المتعدد وحسب بل إنه قد يكون أحد أهم الأعراض لدى بعض المرضى، والسبب الرئيسي لإحساس المريض بتفاقُم حالته وقلة فعاليته في الحياة اليومية، لذلك يشكل العلاج المخفّف للألم أحد أهداف المُعالجة الأساسية للمرض. وفي الواقع، أظهرت بعض الدراسات أن رُبع المرضى المصابين بالتصلب العصبي المتعدد يعانون من ألمٍ مُستمر يؤثر بشكل أو بآخر على حياتهم.

وفي العام 1973 اعتبرت الجمعية العالمية لدراسة الألم أن الألم يشكل "تجربة لها عواقب حِسّية ونفسيّة". وقد أثبتت الدراسات منذ زمنٍ طويل التأثير الكبير للعوامل الاجتماعية والنفسية على إدراك المريض للألم، وبالتالي على الإعاقة الناجِمة عنه. إضافة إلى ذلك يمكن التنبّؤ بديمومة الألم عند معرفة شدته ومدى تأثيره على نشاط المريض ومزاجه. ويمكن أن تفيد معرفة مثل هذه العوامل المرضية في وضع خطة ملائمة للتدخل العلاجي المبكّر.

ومن المعلوم اليوم أنّ للألم فيزيولوجيا مرضية معقدة، حيث تتأثر الإشارات المرسلة من الأطراف إلى الدماغ وبالعكس بوضع الفرد النفسي إلى حدٍ كبير، ويحدد الإحساس بالألم الكثير من العوامل منها الظروف المحيطة ومبالغة المريض بشأن إحساسه بالألم أو مدى تقبّله لوضعه وزيادة الإحساس بالألم نتيجة لأسباب في الجملة العصبية المركزية وفرط التألّم الناتج عن الأفيون​ات والوضع النفسي وتوقُّع الإصابة المستقبليّة بالألم والتجارب السابقة والتعرّض المتكرر للمحرّضات المسببة للألم والتعرّض المُسبق لصّدماتٍ نفسية. ومن الجدير بالذكر أنه لا تقُّل أهمية المكوّن الحسّي الجسدي عن المُكوّن النفسي للألم ومعاناة المريض منه.

ما هي أشكال الألم التي ترافق التصلب العصبي المتعدد؟

هناك العديد من أشكال الألم التي قد تُرافق التصلب العصبي المتعدد ومنها الآتي:

  • ألم العصب ثُلاثي التوائم - تشيع متلازمة ألم العصب ثُلاثي التوائم بين مرضى التصلب العصبي المتعدد، وتظهر على شكل ألمٍ واخز كهربي على أحد جانبيّ الوجه على الوجنة تحديدًا، وقد يظهر الألم عدّة مرات في اليوم الواحد ويكون شديدًا ويستمر لبضع ثوانٍ. ومن الجدير بالذكر أن هذا الألم يمكن أن يتحرّض بلمس الوجه أو عند تعرض الوجه لنسمة هواء أو حتى عند المضغ. وتستخدم في معالجة ألم العصب الثُلاثي التوائم الأدوية التي تؤثّر على وظائف الأعصاب مثل الكاربمازبّين وفينيتوئين ولاموتريجين ونيورونتين ولايريكا وغيرها. وفي بعض الحالات يُمكن اللجوء إلى بعض الإجراءات الجراحية لعلاج هذا الألم كالضغط على العصب بواسطة أنبوب القسطرة الموصّل ببالون لتخديره أو تسخين العصب باستخدام تيار كهربائي. كما يمكن أن يُعالج هذا الألم بتوجيه حزمة إشعاعية على العصب مباشرةً.
  • ألم حارق في الأطراف - وهو شكل ثانِ من أشكال الألم، وقد يظهر في أي منطقة من الجسم إلا أنه غالبًا ما يُصيب الساقين. ويستمر هذا الألم وتزداد شدّته في اللّيل، ويُبدي المصاب بهذا الألم حساسيّة عالية للّمس في بعض الأحيان، وقد يشعر ببرودة في الطرف المصاب في أحيانٍ أخرى. ويمكن تفسير ذلك بتغيّرات تطرأ على الإشارات الحسية في النخاع الشوكي والدماغ نتيجة تحلّل غِمد الميالين المحيط بالألياف العصبية.
    ويُمكن معالجة الألم الحارق في الأطراف بواسطة بعض أنواع مضادّات الاكتئاب الفعالة مثل نورتربتيلين، وبعض مضادّات الاختلاجات مثل كاربامازبين و غابابنتين وغيرها. بالإضافة إلى ما سبق. وتمّت الموافقة على تداول عقار دولوكستين​  ه​يدروكلوريد ​لمعالجة آلام الأعصاب الطرفية، إذ يُمكن استخدامه لجميع الآلام التي ترافق التصلّب العصبي المتعدد، كما يمكن استخدام الترامادول. ويتوجّب في بعض الأحيان استخدام أدوية مديدة التأثير لعلاج الألم. وتجدر الإشارة إلى أن النشاطات البدنية كممارسة الرياضة​ والتمدّد قد تكون أيضًا فعالة، ويمكن اللجوء إلى لُصا​قات اللَيدوكائين ذات التخدّير الموضعي لتخفيف الألم في الحالات الشّديدة.
  • آلام الرقبة والظَّهر - يعاني بعض مرضى التصلب العصبي المتعدّد من آلامٍ في الظَّهر والرقبة نتيجة قلة الحركة أو الإجهاد الطبيعي الذي يعاني منه الكثير من الأشخاص غير المصابين بالمرض. ويوصف هذا الألم بأنه إحساس بتيبُّس مؤلم يمكن أن يشتدّ إلى حدِّ ما. ومن المُهم إجراء صور تشخيصية لاستبعاد أسباب أخرى قد تكون وراء هذا الألم مثل مرض الأقراص القَطَنيّة، وقد تشكل مُضادات الالتهاب علاجًا فعالًا لتخفيف هذا الألم، كما قد يفيد التمدد وتمارين الرّياضة المائية والإجراءات الطبيعية الأخرى في علاج الألم.
  • مصادر الألم الأخرى - يُصاب بعض المرضى باعتلال في الكتف أو الورك نتيجة علاجهم بالستيروئيدات في الماضي، إذ قد يؤدي أخذ الستيروئيدات بتكرار إلى تغير في كمية الدم المُغذي لمفاصل الكتف أو الورك في بعض الأحيان، وقد ينتهي الأمر بتلفها مما يستوجب أحيانًا إجراء عملية جراحية لإبدال المفصل في حالات التلف الشديد. ويظهر هذا التلف على صور الأشعة السينية أو صور الرنين المغنطيسي. ونظرًا إلى أن عِدة اضطراباتٍ أخرى تُسبب الألم فمن المُهم التفكير بمصادر الألم الُأخرى أثناء التشخيص وعدم الاكتفاء بإلقاء اللوم على التصلب العصبي المتعدد.

هل هنالك إجراءات إضافية يمكن للمريض اتخاذها؟

تفيد ممارسة التمدد والتمارين الرياضية بصورة مُنتظمة في تخفيف العديد من أشكال الألم، خاصة آلام الظَّهر والآلام العضلية، وتساعد في تخفيف الشعور بالإرهاق ورفع معنويات المريض. وينبغي على المريض أن ينعم بنومٍ كافٍ ومريح. ومن جهة أخرى يَجدُ بعض المرضى فائدة في الطرق البديلة لتدبير الألم كالوخز بالإبر الصينية والعلاج الإدراكي السلوكي، والتقنيات الفيزيولوجية النفسية لتدبير الألم والإجهاد كالتلقيم الراجع الحيوي والتدريب على الاسترخاء والتنويم المغناطيسي الذاتي.

وفي الحالات التي يصعب فيها السيطرة على الألم يمكن أن ينضم المريض إلى أحد البرامج الرسمية المختصة بإدارة الألم، ومن الضروري مُراقبة نمط ووتيرة التبرز لدى المريض في حال أخذ مُسكنات الألم التي تسبب الإمساك، الأمر الذي يزيد من شعور المريض بالتوعك.